FB_IMG_1776081438017

نبيل نعمه

1
كلُّ صباحٍ،
أتفقد أوراقا خالية
أحرسها من وحشيّة النسيانِ،
أبحثُ فيها عن جرحٍ لا تستهويني كتابتُه.
جرحٍ نتلذذُ، أنا وقلبي، برؤيتِه
خائفا… مرتعشا من شبيهي القَلِق،
من دمي النافرِ الذي يغلي،
ومن يدي التي ترتجفُ جرحَها بعناية.
أنا أكتبُ كي لا أخون،
كي لا أتحول إلى شاعرٍ
ينامُ بين السطور،
ويصحو غريبا عنها.
2
بحسابِ مخيّلةٍ،
أو بتقديرِ قصيدة،
يفكّرُ طفلٌ في كتابتِها.
باستغراقِ فراشةٍ
تتنقّلُ بين غصنٍ وآخر
في لوحةِ الأشجار.
بمسيرِ غيمةٍ
تُشاكسُ فراغًا فوقي.
بلمعانِ دمعةٍ
تجرحُ خدَّ الوحيد.
باخضرارِكِ في غابةِ رأسي.
بفرضيةِ سؤالٍ
عن عدمِ انتظامِكِ في حياتي.
ذكرتُكِ
والليلُ يعبرُ سياجَ الوحشة
أحكمَ من لبلابٍ
كنتما
وتطوّقانِ المدينة.
3
بِخِفّةٍ أشعُرُ،
أفرغتُ نفسي من تعبٍ وانتظارٍ
كي أطير.
وها إنّها قطعةُ روحٍ منّي،
بيضاءُ تتنقّلُ من زهرةٍ إلى قلبٍ،
ومن ركنٍ قصيٍّ إلى آخرَ،
أشدُّ التصاقًا بلهفتي.
إنّها إشاراتُ تشكّلي
في وجهِ امرأةٍ أحبُّها حتّى التلاشي.
أرى وجهي واضحًا في ضياعي.
وهذه إجابةٌ لِمَن تناوبتْ على وجهه هيئتانِ.
في كأسِ سعادةٍ ألهمتني خلاصَها.
في رفـيفِ جناحاتٍ
أتنفّسُ.
يا إلهي؛
إنّني أتكوّن.
أهيمُ في طيراني
لأرتوي…
4
أكتبُ
لأنني نسيتُ، لا لأنَّني تذكرت.
لأتلمس الغياب، لا لأستعيدَ ما حضر.
لأزرعَ ضحكةً على كرسيٍّ فارغ،
لأمسحَ دمعةً لا تخصُّني على جدار.
لأتركَ أصابعي طليقةً في الهواء،
كأنَّ أحداً سيعبرُ
ويمسكُ بها.
5
لم يعد يعنيني ما يعني الآخرين
في الشعر،
على أستحياء امشي والقصيدة،
كلانا يجر يد الآخر..
نخف الخطى كمن يدوس على جمر
والخراب يتبعه.
لا ظل للمدينة التي كبرنا فيها
لا طريق غير وحشة أرتكبناها
ولا أسم للوحدة التي زرعناها كذكرى
على جدار أعزل.
6
في حديقةِ الآباء
أنا نبتةٌ ضارة.
موجودٌ لا لإجابةٍ، بل لأثيرَ الأسئلة.
أقضي على أيامي،
أُقلّبُ الخصوماتِ، وأصبُّ على النارِ من زيتِ القلق، كلَّما جمرة على الإنطفاء أوشكتْ.
بعد كلِّ هدوءٍ
أرمي صخرةً كبيرةً في بركةِ الحياةِ،
مخلفاً هذا الصخب.
أنا
محاولة أحدهم
أنْ يصرخَ بوجهِ الزمن.
7
أنا من الفتيةِ المتكئينَ على وهم،
تضايقُني أبوابٌ مغلّقةٌ،
وتستنفدُ قواي أفكارٌ متعلقةٌ بالنوافذِ.
لا أنتمي للأشهرِ القصار،
ولا تغويني السنواتُ البليدةُ في التكاثر.
أتحولُ ليدٍ وألوحُ
لأيامٍ متشابهةٍ حتى ترحل.
لأيامٍ محايدةٍ حتى تذوبَ في التقاويم.
للأيامِ وظيفةٌ لا تناسب قلقي أو غليان قلبي.
عندما يتعلقُ أمرٌ بصباحاتٍ
تبدأُ من طلوع الشمس
أشعر بالمغيب.
وأشعر بأن أنطفاء العالم
يبدأ سريعا بعد البزوغ.
الأيام المتكررة لا تثير أنتباه الزمن.
ولا حتى الشجرة الوحيدة في رصيف منسي.
الأيام أحتجاجات أداولها في رأسي
كي أتنبَّه للموت.
الأوهامُ أمتلاءٌ متعِب
لفتى يتكيء على أيامه.
8
في حديقة الأيام
أنا شديد الحساسيةِ،
مزاجيّ وقلق…
المدن الكبيرة لا تناسبي،
أحتاج عزلة صغيرة،
أكتب فيها الغيم والماء وجمال النسوة الذي يبض في الشوارع، وأصوات المنبهات وكركرة العشاق وإصغاء الاشجار المعمرة…
أحتاج لحظة مضيئة
أحدس فيها امتعاض العالم من كذبي.
أحتاجك
لأفشي أسراري.
كالحزن عميقة أنت.
والكتابة الخالية من الألم
جمرتها باردة.
9
في آخرةِ الليل.
لا ظلٌّ يدلُّ على أنوجادي،
ولا ثرثرةٌ،
في اللحظاتِ الحرجةِ
تزاحمُ تأقلمي..
مع هدوءٍ،
يكسرهُ صوتُ حشرةٍ ضئيلة.
مع التماعةِ حلمٍ،
تفضحُه نافذةٌ مشرعة.
مع رياح وديعة تؤرجحُ صغارَ العشبِ.
مع كائناتٍ،
تثير انتباهة الضوء.
مع طمأنينة أشتهائي،
والوحدة الناعمة تتحول لامرأة من خيال…
مع ما يتفشى في الدقائق والهوامش
من حولي…
في آخرةِ الليل
تتكسر الأسوار التي تمنع الوردة من أندماجها في اللهفة.
لا شيءَ يشبهُ هشاشتي!
في مراقبةِ سرب نملٍ
يسكن بيتي.
في الإصغاء لحمامة،
وصوتُ أفراخِها يفتحُ حجابَ السمعِ قبلَ أن تشرقَ الشمسُ.
في ترجمة قطرات الماء،
تعزف على الأرض حزن الصنبور.
في آخرة الليل
يتصاعد شغفي في حياكة تفاصيلِ الأيامِ،
وأحلامي تفرُّ مثلَ طرائد.
10
أخيرًا
تحرَّرتُ من أرضي،
وصارَ شُغلي الشاغلَ
مراقبةَ النباتاتِ تشُجُّ التربةَ
كي تلوحَ للهواء بخفّةِ مَن يطيرُ.
صرتُ معنيًّا بالتفاصيلِ المهمّشة
إصغائي مثلًا:
للأشجارِ الصغيرةِ
تتدرّبُ على نطقِ الحفيف،
أو متابعةِ أسرابِ النملِ
أغبطُ فيها المطاولةَ على تكرارِ الطريق.
يا اللهُ،
كم استوقفتني النوافذُ،
والزجاجُ يُغيِّرُ شكلَه كلّما اشتدَّ الهطولُ.
لا أحدَ غيري
يُصغي لصراخِ الأشجارِ
كلّما ورقةٌ عن غصنِها انفصلتْ.
لا أحدَ غيري
يلمحُ العرقَ يصعدُ في ساقِ زهرةٍ
لتصافحَ الهواءَ.
يا صبرَ الجذورِ التي عن الحفرِ
لم تتوقّفْ!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *