تقرير : علي لفته سعيد
لكل نهر في العالم تاريخ وحكاية، فالبعض يكون طبيعيا كما هي أنهار دجلة والفرات والنيل، أو أن تقوم شخصيات وحكومات بشق هذا النهر أو ذاك إذا ما كانت هناك حاجة. ومدينة كربلاء هي الوحيدة التي لا تقع على نهر أو بحيرة أو مصب أو منبع، كما كل المدن العراقية التي تقع على ضفتي نهري الفرات ودجلة وحتى روافدهما. لكن هناك نهراً صار مزارا مثلما صار عنوانا للمدينة وليكون متنفسا لها. المدينة التي تأسست على واقعة تاريخية هي واقعة الطف المعروفة عام 61 هجرية أو التي يطلق عليها أيام عاشوراء، لذا فهي كانت تتغذى من نهر الفرات المار في مدينة المسيب على مبعدة 30 كم إلى الشمال منها حتى تم شق نهر الحسينية الذي يمر حول مدينة كربلاء وحول مقام المزار المشهور في المدينة المعروف باسم مقام المهدي أو ما يطلق عليه نهر السليماني نسبة إلى من أنشأه وهو السلطان سليمان القانوني العثماني سنة 941 هـ/ 1534 أي قبل 486 عاما ميلاديا وبعد واقعة الطف بنحو 880 عاما هجريا ليكون الساقي للأراضي الزراعية التي تمر بشمال المدينة وشرقها وحتى تخوم جنوبها وتكون المدينة الأكثر شهرة في زراعة أنواع الفواكه والتمور.
كتب وتاريخ
يقول الباحث والخبير في شؤون البيئة والمياه المهندس حسن حميد الشريفي إن المستر لونكريك في كتابه “أربعة قرون من تاريخ العراق” ذكر أن السلطان سليمان كانت غايته الثانية أن يزور العتبات المقدسة في الفرات الأوسط، ويفعل هناك أكثر مما فعله الزائر الصفوي في العهد الأخير، فوجد مدينة كربلاء المقدسة حائرة بين المحل والطغيان. إذ كان الفرات الفائض في الربيع يغمر الوهاد التي حول البلدة بأجمعها من دون أن تسلم منه العتبات نفسها وعند هبوط النهر كان عشرات الألوف من الزوار يعتمدون على الاستسقاء من آبار شحيحة قذرة. فرفع مستوى “روف السليمانية” وهي سدة ما تزال تقوم بعملها حتى اليوم لوقاية البلدة من الفيضان، ثم وسع الترعة المعروفة بالحسينية وزاد في عمقها لكي تأتي بالماء المستمر، ولتجعل الأراضي الخالية المغبرة حولها بساتين وحقولاً يانعة للقمح. ويضيف الشريفي أنه حسب المستر لونكريك فإن هذه الترعة صارت تنساب في أرض كان الجميع يظنونها أعلى من النهر الأصلي فاستبشروا بالمعجزة واقتسم الحسين الشهيد والسلطان القانوني جميع الثناء والإعجاب. ويشير الشريفي إلى إنه بعد أن زار سليمان قبر الإمام علي “عليه السلام” في النجف رجع إلى بغداد قائلاً إن نهر الحسينية هذا من أعظم أعماله، كما سُميّ باسمه “النهر السليماني” لأنه أعاد الحياة إلى الأراضي الزراعية ووفر الماء إلى أهالي المدينة وزوارها بدلا من نقله عبر الجداول الصغيرة من نهر الفرات.
أنهُر أُخرى
النهر الذي سمى نهر الحسينية أصبحت المدينة التي يمر بها يطلق عليها ناحية الحسينية التي تحوّلت قبل عام إلى قضاء تابع إلى محافظة كربلاء، والتي تبعد عنها مسافة أقل من 15 كم إلى الشمال منها في اتجاه العاصمة بغداد. وقد أحيا هذا النهر كما يقول الشريفي آلاف الدونمات الزراعية التي أضحت غابة من النخيل ومزارع البرتقال والعنب والمشمش وحتى الكمثرى لتكون ناحية الحسينية سلة العراق في الفواكه كما هي محافظة ديالى. لكنه يقول إن المدينة ظلت في حاجة إلى أنهر أخرى لإحياء أراضيها ولإيصال الماء إلى الناس والبيوتات التي توسعت وصارت أحياء سكنية وأن السلاطين لم يوفقوا في توفير هذا الأمر ربما خوفا على مياه الحسينية من نضوبها إذا ما تم شق نهر آخر. ويذكر الشريفي إن الباحث العراقي المعروف سلمان هادي آل طعمة ذكر في كتابه “تراث كربلاء” أن زوجة محمد شاه القاجاري ملك إيران تبرعت من أجل شق نهر جديد وذلك عام 1259 فسمي الفرع عند ذاك باسم الرشدية. أما الفرع الثاني لهذا النهر فسمي بالهندية ويسير في اتجاه جنوب مدينة كربلاء. ومما يذكر بهذا الصدد كما يقول الشريفي فإن الرحالة الميرزا أبو طالب خان بن محمد الأصفهاني الذي قدم إلى بغداد في غرة شوال 1217 (17 كانون الثاني/يناير 1803) قال ما تعريبه “وبعد إن قمت بواجب الزيارة في كربلاء بارحتها قاصدا النجف بطريق الحلة فقدمت إليها في اليوم نفسه ولاقيت في طريقي جدولين أولهما يقال له النهر الحسيني (الحسينية) على بعد أميال قليلة في كربلاء وكان حفره بأمر السلطان مراد (كذا وصححه السلطان سليمان) والثاني من النهرين يقال له نهر الهندية أو الآصفي، لأن النواب آصف الدولة حفره بنفقاته وهو أعرض من النهر الحسيني والغاية من حفره إيصال الماء إلى مرقد الإمام علي. وقد بلغت نفقات هذا الجدول حتى الآن عشرة لكوك من الروبيات مع أنه لم يصل بعد إلى النجف لأن باشا بغداد والرجل الذي ولاه الباشا الإشراف على العمل جعلا النهر يمر بالكوفة وغيرها من المدن عوضاً عن جعله يجري مستقيما وقد بقيت أربعة أميال لإيصاله إلى المحل والأعمال متداولة عليها”.
قناطر وباشوات
ويمضي الشريفي بقوله إن حسن باشا والي بغداد قام في سنة 1329 على الخلل الذي طرأ على مجرى هذا النهر فحفر له صدرا آخر. ويوجد اليوم في شمال قضاء المسيب جانب البو حمدان في ضيعة هور حسين ترعة يطلق عليها صدر الحسينية العتيق. وكانت لها قنطرة قائمة متينة على محاذاة خان الوقف الذي هدم حديثا لغرض فتح الشارع المقابل للجسر الثابت الذي أنشئ لربط جانبي القضاء. وعلى ما يبدو هدمت القنطرة سالفة الذكر لاستعمال أنقاضها في بناء الناظم الذي أقيم على صدر الحسينية، القائم ليومنا هذا أي سنة 1324 .ويمضي بقوله إنه على أثر التغيير الذي طرأ على مجرى عمود الفرات بأحداث الهندية بأمر آصف الدولة الهندي أشكل علينا معرفة الفوهة الأصلية لنهر الحسينية. وكذلك موقعه الذي اختير له من الفرات عند حفره بأمر سليمان القانوني سنة 941 هـ ومن المحتمل أن تكون فوهته على مقربة من مأخذ وفوهة نهر نينوى القديم على التقريب.
عودة الحياة للنهر
ويشير الخبير إلى أن نهر الحسينية الآن الذي يبلغ طوله 27 كم يستوعب كمية من المياه تقدر بأقل من 55 مترا مكعبا في الثانية وقد قللت وزارة الموارد المائية إلى أقل من 43 مترا مكعبا في الثانية بسبب الشحة المائية وتقليل المقنن المائي للدونم الواحد يوزع منها 25 مترا مكعبا للحسينية والباقي لنهر الوند لحدود 18 مترا مكعبا في ثانية وهو يروي أراضٍ تصل إلى 145 ألف دونم وتتوزع حوله مدن وقصبات عديدة منها عطيشي والبو غانم والوند والجمالية والرشدية وأبو زرع والكرطة وأم غراغر والبوبيات ومناطق أخرى، ويسقي مئات الآلاف من أشجار النخيل وتعطي تمرا من أجود أنواع التمور التي تزود العراق بالآلاف من الأطنان، حيث يسقي 40 شجرة نخل في كل دونم من الأراضي الزراعية فضلا عن أراضي الزراعة بمحاصيل أخرى وأكثرها الخضرية التي تسد حاجة السوق المحلية.
وقد شهد خلال السنوات الماضية انحسارا في المياه بسبب سياسات الدولة الخاطئة في المجال المائي والصراعات السياسية خاصة بعد إنشاء سد اليسو من قبل تركيا التي أنشأ باشواتها نهر الحسينية مما تسبب في تقليل المياه في جميع أنهر العراق بما فيها دجلة والفرات وحصلت شحة كبيرة خلال السنوات الماضية وكادت الأرض تموت لولا المشاريع التي تم تنفيذها في تغليف الأنهر ومنها نهر الحسينية والتي خصصت لها مليارات الدنانير، حيث تم الحفاظ على كميات المياه من التبخر والتحول إلى مياه جوفية ثم نعمة الأمطار التي شهدها العراق خلال العامين الماضيين حافظت على مناسيب المياه وعدوتها إلى شبه طبيعتها.