كتب : عبد عون النصراوي
مع حلول صيف قادم يُلهب الأجساد والنفوس، يعود المشهد العراقي المألوف ليتصدر الواجهة أزمة كهرباء خانقة تلخصها معادلة قاسية (5 ساعات انقطاع مقابل ساعة تجهيز واحدة). هذه المعادلة لم تترك للمواطن متنفساً، خصوصاً مع معاناة المولدات الأهلية التي كانت تُشكل خط الدفاع الأخير من نقص حاد في تجهيز الوقود.
بين تصريحات المسؤولين الوردية قبل فصل الصيف التي تبخرت لتكون مجرد هواء في شبك ، وبين إسقاطات الأزمات الإقليمية، وصولاً إلى التبريرات الغريبة التي تحاول تسييس المعاناة، يظل السؤال القائم متى يرى العراقيون الضوء في نهاية نفق الطاقة المظلم؟
الوعود الوردية والواقع المرير
قبل كل صيف، تخرج تصريحات رسمية تعد بتحسن الشبكة وزيادة ساعات التشغيل، ليتضح لاحقاً أنها مسكنات مؤقتة لا تصمد أمام أول موجة حر. أما عن العوامل الخارجية، فرغم أن صراع المصالح الإقليمي والدولي (الأمريكي-الإيراني) يلقي بظلاله على ملف الغاز المورد وتشابك الحسابات المالية، إلا أنه لا يمكن أن يكون شماعة أبدية للفشل الإداري والبنيوي المستمر منذ عقود.
ميزان المقارنات غير المنطقية
في خضم هذه المعاناة، تداولت وسائل الإعلام تصريحاً منسوباً لأحد رجال الدين يدعو فيه من يشتكي من قلة الكهرباء إلى تذكر واقعة الطف ودرجة حرارة ذلك اليوم واستلهام الصبر.
في ميزان المنطق والقرن الحادي والعشرين، لا يبدو هذا التصريح معقولاً أو مقبولاً. فرغم القيمة الروحية والتاريخية العظمى لواقعة الطف، إلا أن زجّ المأساة التاريخية لتبرير تقصير خدمي في عصرنا الحالي يُعد مغالطة كبرى. المواطن في الدولة الحديثة يدفع ضرائب ويسعى لعيش كريم، والكهرباء اليوم ليست رفاهية بل عصب للحياة، والصحة، والاقتصاد، والتعليم. الاستشهاد بالتاريخ هنا يُفهم كحيلة لامتصاص الغضب الشعبي بدلاً من مواجهة المشكلة وحلها بحلول علمية.
فلا بد لنا اليوم من إيجاد حل أزمة الكهرباء في العراق بشكل جذري لا يتطلب معجزات، بل يتطلب إرادة سياسية حقيقية وإدارة اقتصادية كفوءة.