1776013639066

د. مهدي صالح البناي

عندما يرى المواطن مليارات الدنانير المختلسة تُخبأ في البيوت والمزارع والحسابات الخاصة، بينما يعاني من البطالة والفقر وتردي الخدمات، فإنه لا يشعر فقط بالخسارة المالية، بل يشعر بأن ثروته سُرقت مرتين .. مرةً عندما نُهبت الأموال، ومرةً عندما حُرمَ من الخدمات وفرص العمل التي كان يفترض أن توفرها تلك الأموال.
المواطن يمكنه تقبل تفاوت الثروة الناتج عن العمل والاستثمار والإبداع، لكنه يصعب عليه تقبل ثراء أشخاص جمعوا ثرواتهم من المال العام والنفوذ والفساد.
الأخطر أن استمرار هذا المشهد يزرع قناعة مدمرة مفادها أن الطريق إلى الثراء ليس الإنتاج والمعرفة والكفاءة، بل الوصول إلى السلطة ومصادر الإنفاق الحكومي.
وهنا يصبح الفساد (مُعدياً) إجتماعياً، لأن المواطن يبدأ بالتساؤل:
إذا كان كبار المسؤولين يسرقون المليارات، فلماذا ألتزم أنا بالقانون في الأمور الصغيرة؟!
ففي الوقت الذي يُطلب فيه من المواطنين تحمل الضرائب والرسوم وتقليص الإنفاق بحجة العجز المالي، فإن اكتشاف السرقات والاختلاسات الضخمة يجعل السؤال مشروعاً:
هل المشكلة حقاً في نقص الموارد، أم في تسربها؟
فالاقتصادات تستطيع تعويض الأموال المفقودة،
لكن المجتمعات تحتاج سنوات طويلة لتعويض ما يفقده الناس من ثقة وعدالة وأمل !!
استشراء الفساد في الإدارات الحكومية لا يبقى ظاهرة أخلاقية أو قانونية فقط، بل يتحول إلى (بنية اقتصادية موازية) تعيد تشكيل كل مفاصل الاقتصاد بطريقة مشوهة، وتؤثر مباشرة على الاستثمار والإنتاج والادخار والتوزيع والخدمات ..الخ
وحتى في مقدار اللحم في جدر القيمة !!!
وهيهات من الذلة…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *