IMG_20260708_105017_921

كتب : عبد عون النصراوي
تُعد الحصة التموينية في العراق واحدة من أقدم وأهم شبكات الأمان الاجتماعي التي مست حياة ملايين العائلات لعقود طويلة. ورغم التضحيات والجهود الحكومية المستمرة، يظل هذا الملف حاصداً للكثير من الانتقادات الشعبية، لا سيما فيما يتعلق بالتوازن الحرج بين التكلفة المالية الضخمة والجودة المتدنية للمواد الغذائية المُوزعة.
ونرى أن تكلفة الفرد الواحد من الحصة التموينية يقدر بنحو (٨) دولارات شهرياً. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار الرقم الإجمالي المُعلن لعموم العراق والذي يدور فلكه حول (٤) مليون دولار سنوياً مقارنةً بعدد سكان العراق البالغ نحو (٤٢) مليون نسمة، سنكون أمام مفارقة حسابية صارخة.
علاوة على ذلك، هناك شريحة واسعة من أبناء الشعب غير مشمولة أصلاً بمفردات البطاقة التموينية، تقدر بنحو (٣ إلى ٤) مليون مواطن (من الموظفين ذوي الدوائر المستثناة أو المغتربين أو غير المشمولين وفق ضوابط الوزارة)، وهو ما يعني أن الكتلة النقدية الفعلية المفترضة أقل بكثير مما يتم تداوله، ومع ذلك، لا يلمس المواطن انعكاساً حقيقياً لهذا الإنفاق على جودة السلة الغذائية.
إن المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في لغة الأرقام، بل في المضمون. فالغالبية العظمى من المواد الغذائية التي تصل إلى منازل المواطنين اليوم تتسم بدرجة جودة متدنية جداً، لدرجة تجعل أجزاء واسعة منها غير صالحة للاستهلاك البشري، مما يجبر العائلات – وخاصة ذات الدخل المحدود – على التخلص منها واللجوء إلى الأسواق المحلية لتعويض النقص، وهنا تفقد الحصة التموينية هدفها الاستراتيجي في حماية القدرة الشرائية للمواطن.
إن وزارة التجارة والحكومة العراقية مطالبة اليوم بوقفة جادة ومسؤولة لفتح هذا الملف الحيوي، وإعادة هندسته وفق رؤية اقتصادية معاصرة تضمن الهدر المالي وتنهي روتين العقود التقليدية.
لذا نقترح تأسيس صندوق الحصة التموينية لكل فرد ، وتقوم فكرته على عدد من الركائز هي دعم حكومي مباشر ومدروس من خلال تخصيص مبلغ مالي محدد لكل فرد يُدار عبر محفظة إلكترونية أو بطاقة ذكية خاصة بالمواد الغذائية.
وكذلك جودة عالية بكلفة أقل للسماح للمواطن بشراء المواد الغذائية الأساسية حصراً من خلال شبكة الوكلاء أو المتاجر المعتمدة المدعومة، ولكن بمنتجات ذات مناشئ رصينة وعالية الجودة تتنافس الشركات على توفيرها.
وتحقيق المنفعة المشتركة حيث أن المواطن يحصل على غذاء صحي وذي جودة عالية يتناسب مع ما يُصرف من أموال الدولة. والوكيل يضمن استمرار عمله وحصوله على أرباح عادلة عبر تحويل دوره من موزع لمواد تالفة إلى شريك تجاري في منظومة بيع ذكية.
و الحكومة تضمن توجيه الأموال لمستحقيها الفعليين بدقة، وتتخلص من أعباء آليات التخزين والنقل الطويل والفساد المستشري في الصفقات المركزية.
إن إصلاح البطاقة التموينية لم يعد رفاهية إدارية، بل هو ضرورة وطنية ملحة تمس الأمن الغذائي والمعيشي لعشرات ملايين العراقيين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *