ازمة كهرباء

تحقيق : مصطفى الصالح

تحت لهيب شمس تموز التي لا ترحم، حيث تلامس درجات الحرارة عتبة نصف الغليان (50 درجة مئوية)، يواجه العراقيون فصلاً جديداً من فصول معاناتهم السنوية المتكررة. لكن هذا الصيف جاء مصحوباً بـ ( مطرقة وسندان ): انقطاع شبه تام للتيار الكهربائي الوطني بالتزامن مع أزمة خانقة في وقود البنزين، مما جعل محاولات الهروب من الحر عبر المولدات الأهلية أو تشغيل مكيفات السيارات ضرباً من المستحيل.

​في هذا التحقيق ، ننزل إلى الشارع العراقي لننقل نبض المعاناة من خلال قصص واقعية لشرائح مختلفة من المجتمع، ونبحث مع أهل الاختصاص عن جذور الأزمة المركبة.

​الهروب المستحيل: حصار الحر والبنزين

​تبدأ الجولة من الأحياء السكنية التي تحولت منازلها إلى “أفران بشرية” بسبب غياب التيار الكهربائي، والاعتماد على المولدات الأهلية التي أصبحت هي الأخرى تحت رحمة شحة الوقود وارتفاع أسعاره.

​الأستاذ عماد محمد (معلم): ( التلاميذ ضحايا الصيف، والبيوت بلا ملاذ )

​يعبر الأستاذ عماد عن قلقه البالغ على واقع العوائل والطلبة في هذا الظرف القاسي، قائلاً:

​( كمعلمين، عشنا نهاية العام الدراسي وصدمة الامتحانات في قاعات تفتقر لأبسط مقومات التبريد. والآن في العطلة الصيفية، تحولت البيوت إلى زنازين حارة. الكهرباء الوطنية لا تأتي إلا سويعات قنص، والمولدات الأهلية ترفع أسعار ‘الأمبير’ بحجة عدم توفر الكاز والبنزين. حتى محاولتنا أخذ أطفالنا في جولة بالسيارة لتشغيل التبريد وتخفيف الحر عنهم أحبطتها طوابير البنزين التي تمتد لمئات الأمتار).

​الحاجة أم مهدي: ( مخازن الغذاء خاوية.. والأمراض تهدد كبار السن )

​تنقل الحاجة أم مهدي تفاصيل المعاناة اليومية داخل المطبخ والمنزل العراقي:

​( كل ما نطبخه أو نشتريه من طعام يفسد خلال ساعات لأن الثلاجات مطفأة معظم الوقت. نشتري قالب الثلج يومياً بأسعار مضاعفة فقط لنشرب ماءً بارداً. أزمة البنزين زادت الطين بلة؛ فابني مهدي يقضي نصف يومه في المحطة ليحصل على وقود لسيارته ‘التكتك’ التي يعيلنا بها، والنصف الآخر يبحث عن كاز للمولدة المشتركة في منطقتنا. نحن نموت ببطء في هذا الحر).

​صرخة المبدع وصمت المتقاعد

​الأزمة لا تستثني أحداً، فهي تؤثر على كرامة العيش اليومي وتخنق حتى المساحة الروحية والثقافية للمواطن.

​الحاج أحمد العلي (متقاعد): ( بعد عقود من الخدمة.. نبحث عن شربة ماء باردة )

​يجلس الحاج أحمد على عتبة داره واضعاً منشفة مبللة على رأسه محاولاً تخفيف الحرارة:

​( قضيت عمري في خدمة الدولة، واليوم في تقاعدي، بدلاً من الرعاية والراحة، أجد نفسي مجبراً على الوقوف في طوابير لقمة العيش أو الطوابير الخانقة للمحطات لمساعدة أولادي في تموين السيارة. راتبي التقاعدي يذهب نصفه لأصحاب المولدات الأهلية الذين يتحكمون بنا كيفما شاؤوا مستغلين غياب رقابة الدولة وأزمة الوقود الحالية).

​الأستاذ رشيد العبادي (شاعر): “القصيدة تختنق في الظلام”

​يتناول الشاعر رشيد العبادي الأزمة من منظور إنساني وثقافي أعمق، واصفاً المشهد بمرارة:

​( كيف يكتب الشاعر ونبض الحروف يجف تحت هجير الـ 50 مئوية؟ العراق، بلد النهرين والنفط الأسود، يعيش عتمة سرمدية. تلازم انقطاع الكهرباء مع أزمة البنزين ليس مجرد خلل فني، بل هو تجسيد لقصيدة حزن عراقية مكررة. الطوابير أمام محطات الوقود تحولت إلى تجمعات للمقهورين، والبيوت المظلمة خنقت حتى الرغبة في الإبداع. صرنا نبحث عن الضوء والبرودة كأننا نبحث عن رغيف خبز ).

​التشخيص الهندسي: لماذا تنهار المنظومة صيفاً؟

​لم تكن هذه الأزمة وليدة الصدفة، بل هي نتيجة لشبكة معقدة من سوء الإدارة الفنية والاعتماد على الحلول الترقيعية.

​المهندس سامر عواد (خبير في شؤون الطاقة والنفط):

​يضع المهندس سامر يده على الجرح الفني والتنظيمي للأزمة المركبة عبر النقاط التالية:

​فجوة التوليد والتوزيع: ( الطلب المحلي على الطاقة في ذروة الصيف يتجاوز 35,000 ميغاواط، في حين أن الإنتاج الفعلي للشبكة الوطنية لا يتعدى 24,000 ميغاواط في أفضل أحواله. هذا الفارق الكبير يسبب انهياراً شبه كامل (Shut down) للشبكة عند ارتفاع درجات الحرارة ).

​أزمة الغاز المشغل: ( معظم محطاتنا الإنتاجية الحديثة تعتمد على الغاز المستورد. عند حدوث أي شح أو تقليص في الإمدادات الخارجية، تتوقف المحطات فوراً عن العمل، وهو ما تزامن مع بداية الصيف الحالي ).

​علاقة أزمة البنزين بالكهرباء: ( هناك ترابط وثيق؛ فعندما تنقطع الكهرباء الوطنية، يلجأ ملايين المواطنين إلى تشغيل المولدات المنزلية الصغيرة والكبيرة التي تعمل بالبنزين والكاز. هذا الطلب الانفجاري المفاجئ على الوقود يضغط على محطات التعبئة والمصافي المحلية غير المؤهلة لإنتاج هذه الكميات الضخمة، مما يخلق عجزاً حاداً وطوابير كيلومترية، ويفتح الباب للسوق السوداء ).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *