صادق الطائي
طويريج أو الهندية، من مدن الفرات الأوسط، مثلها كمثل العشرات وربما المئات من مدن العراق، فهي مدينة ذات جذور تاريخية عريقة، اندرست في حقب زمنية، إلا إنها عادت للحياة في الربع الأخير من القرن التاسع عشر عبر ما شهدته هذه الحقبة من إنشاء المدن العراقية واستقرار القبائل فيها.
المدينة غافية على ضفتي نهر الهندية، وسط المسافة بين مركزي محافظة كربلاء وبابل، وهي اليوم مركز قضاء، تبعد عن كربلاء 20 كم وعن الحلة مركز محافظة بابل 24 كم، ويبلغ عدد سكانها حوالي 320 ألف نسمة حسب تقديرات وزارة التخطيط العراقية لعام 2014.
أصل التسمية
للمدينة، كما تقدم، اسمان، ولكل منهما قصص وحكايات، بعضها مثبت وتاريخي، وبعضها يدور في فلك التكهنات والاحتمالات وحتى الترهات. فطويريج اسم قديم، وهو كما يبدو وعلى الطريقة العراقية مصغر لكلمة “طريج” التي تعني طريق بعد قلب قافها جيما حسب لهجة أهل العراق، وربما عنى من أطلق الاسم على المدينة انها طريق صغير أو مختصر لمدينة كربلاء المقدسة.
ويذكر د. حسين الهنداوي في كتابه “الهندية – طويريج: بيتنا وبستان بابل” عن أصل اسم مدينته طويريج فيقول؛ “إن طويريج أو الجرف العالي، مفردة قديمة جدا في رأينا، وقد تعود إلى أوائل الأزمنة الحضارية العراقية، وأصلها “طوريج” أو “طويريك” ومصدرها طور أو “طار” وتعني في اللغة البابلية القديمة ما علا عن حد الماء من الأرض، أي الجرف المرتفع عن مجرى الماء. وهو ما تؤكده دلالة الأرض المرتفعة في التسمية القرآنية طور سينين”.
بينما ينقل المحقق والمؤرخ العراقي د. مصطفى جواد عن أحد الباحثين في تاريخ المدينة قوله إن “كل ما يمكن أن يقال عن تاريخها القديم، إنها كانت من أمهات مدن طسوج النهرين الواقعة على ضفاف نهر بالاكوباس (الفرات القديم) وعلى أرضها معبد للعبادة والصلاة، كما يستدل من الأسماء التي عرفت بها قديماً كعمورا، ماريا، صفوراً، وقد كثرت حولـها المقابر. كما عثر على جثث موتى داخل آوان خزفية يعود تاريخها إلى قبل العهد المسيحي، وأما الأقوام التي سكنوها فكانوا يعولون على الزراعة لخصوبة تربتها وغزارة مائها لكثرة العيون التي كانت منتشرة في أرجائها”.
كما يذكر بعض الباحثين ومنهم المؤرخ العراقي عبد الرزاق الحسني ان تسمية طويريج كانت تعني لدى البابليين “طريق المبتغى” لزيارة كربلاء، التي وقبل ان تصبح طريقا لزيارة الإمام الحسين (ع) كانت مزارا مقدسا. وقد أورد الباحث اللغوي والأديب العراقي أنستاس ماري الكرملي في مقال له “إن بعض الباحثين يذكرون إن كلمة كربلاء منحوتة من كلمتي (كرب) و(إل) اي (حرم الله) أو (قدس الله) نظرا لأن (إل) كان معناها (إله) عند الساميين، لذا فهي تتضمن بالضرورة موقعا مقدسا أي (قرب الله) وان “كرب” البابلية قريبة جدا من الكلمة العربية قرب”.
أما التسمية الثانية التي أطلقت على المدينة حتى باتت التسمية الرسمية لها فهي “الهندية”. وهذه التسمية تكاد تكون معروفة بشكل واسع، إذ يذكر المؤرخ عبد الرزاق الحسني في كتابه “العراق قديما وحديثا” إن “الهندية سميت بهذا الاسم لوقوع أراضيها على ضفتي نهر الهندية، الذي أنفق على حفره المهراجا الهندي المعروف آصف الدولة جد النواب إقبال الدولة – وهو أحد الأمراء الهنود – عام 1793 لإيصال الماء الى مدينة النجف”. ونتيجة هذا العمل الخيري، أطلق على النهر اسم “نهر الهندية” تيمنا بالمنحة الهندية التي تم المشروع بفضلها. وقد أرخ أدباء النجف الحدث الكبير بحساب الجمل حين اختتموا بيت الشعر الذي أرخ الحدث بقولهم: “صدقة جارية” التي تساوي بحساب الحروف 1208 هـ والتي تقابل 1793م.
كما أن هناك رأيا لا يحتاج حتى إلى تفنيد نتيجة عدم منطقيته، لكن ارتأينا ايراده لشيوعه على منصات التواصل الاجتماعي، إذ يذكر البعض ان المدينة اكتسبت اسمها من تحريف لجملة “Two Way Reach” الإنكليزيّة، التي وضعتها القوات البريطانية كيافطة إبان احتلال العراق، لأن المدينة كانت صلة الوصل بين طريقين يتجّه الأوّل إلى الحلّة شرقاً والثّاني إلى كربلاء غرباً، فأصبح اسم المدينة تويريج أولا ثم تحرف الى طويريج. والمعروف تاريخيا أن هذا الاسم أقدم من ذلك بكثير.
ركضة “طويريج”
وإذا تكلمنا عن طويريج فيجب أن نذكر طقسا من طقوس العزاء الحسيني ارتبط بهذه المدينة وهو “ركضة طويريج” وهذا الطقس يقام في المناحات على استشهاد الإمام الحسين (ع) وأهل بيته، وقد ابتدأ كما يرد في تأريخ المناحات الحسينية زمن السيد صالح القزويني، واستمر في ذريته. والركضة عادة تبدأ من قنطرة السلام التي تقع على الطريق الموصل بين طويريج وكربلاء، لذلك سميت الممارسة بـ”ركضة طويريج”. وهذه القنطرة تبعد حوالي خمسة كيلومترات عن مركز مدينة كربلاء المتمثل بمقامي الإمام الحسين (ع) وأخيه العباس (ع). وتبدأ هذه الممارسة بعد أذان الظهر بالضبط وهو الوقت الذي سقط فيه الإمام الحسين (ع) شهيداً على رمضاء كربلاء. وكأن هذه الحشود الراكضة جاءت لنصرة الحسين (ع) لكنها وصلت متأخرة ولم تستطع الوصول لنجدته والقتال معه ضد خصومه. ويشارك الرجال فقط في هذه الركضة، اذ يلطمون على الرؤوس وينادون (حسين … حسين) فقط، فينطلقون من القنطرة مرورا بشارع الجمهورية فشارع الإمام الحسين (ع) ثم يدخلون إلى الضريح من باب القبلة ويخرجون من الباب المقابل لمرقد العباس (ع) فيجتازون المنطقة الفاصلة بين الحرمين إلى ضريح العباس (ع) وعند خروجهم من الضريح تكون قد انتهت هذه الممارسة الحسينية.
أسواقها مستقيمة طويلة
يصف المؤرخ العراقي عبد الرزاق الحسني مدينة الهندية في منتصف القرن الماضي في أحد كتبه فيقول؛ “هي روضة مدن الفرات الأوسط، متوسطة في عمرانها، جميلة بمناظرها، حسنة بموقعها، تمتد على ضفة النهر اليمنى، ويربطها بالضفة اليسرى التي بدأت العمارة فيها مؤخرا، جسر حديدي متين بني عام 1955، وتحيط بها الحقول والبساتين التي تسقيها الجداول والنهيرات الكثيرة. أسواقها مستقيمة طويلة وشوارعها عريضة مزفتة ورصيفها الممتد على ضفة النهر اليمنى من أجمل ما تقع عليه العين”.
ويذكر د. علي الوردي في كتابه “لمحات اجتماعية من تاريخ العراق” أن مدينة الهندية مع مجموعة من المدن كانت قد انشئت في الربع الأخير من القرن التاسع عشر. ونتيجة لخصوبة أرض المدينة ووفرة المياه التي تحيط بها عبر مجموعة الأنهر والقنوات التي وفرتها سدة الهندية التي أنشأت عام 1913 أصبحت الهندية بستان الفرات الأوسط، وقد اشتهرت بزراعة الحبوب مثل الحنطة والشعير والأرز بأنواعه المشهورة مثل العنبر والنعيمة والحويزاوي، كما أنها المدينة الوحيدة في وسط العراق التي تشتهر بزراعة التبغ وبكميات تجارية تجهز بها مصانع السجائر، وبساتينها مليئة بالنخيل الذي يضلل تحته أشجار الحمضيات والتين والرمان.
وعلى هامش اقتصاد المدينة الزراعي أقيم نشاط صناعي مرتبط بما تنتجه زراعيا، فشيدت عشرات المضارب التي أقيمت على ضفاف النهر ليسهل شحن منتجاتها من الأرز وتسويقها إلى مختلف مدن العراق، وحتى إلى البصرة ميناء العراق، ومنه للتصدير لبقية دول العالم.
ويمكن وصف حال سوق المدينة بأنه قبل عام1940 كان عبارة عن دكاكين قليلة متباعدة يمتهن أصحابها الحرف البسيطة كصناعة العقال العربي بالإضافة لبعض النشاطات التجارية، وقد انتشرت في تلك الفترة الخانات الكبيرة لتجارة الحبوب والتمور. وكان السوق مكشوفا وغير مسقف حتى بداية الأربعينيات من القرن الماضي، ونتيجة وجود أقلية يهودية في المدينة حتى نهاية الأربعينيات، يمكننا ملاحظة نشاطهم في سوقها آنذاك، فقد كانوا تجارا نشيطين يمتلكون محلات بيع الأقمشة والكماليات وبعض الوكالات التجارية. لكن سوق المدينة اليوم اختلف كثيرا عما كان عليه قبل أكثر من نصف قرن، إذ كان عدد المحال محدوداً والبضاعة تختلف عن المعروضة حاليا لأن السكان في تزايد مستمر، والأوضاع في تطور مستمر، وقد انقرضت الكثير من المهن التي كانت سائدة أيام زمان وحلت محلها محال الكمبيوتر والموبايل.
سكانها ورموزها
سكن المدينة العديد من القبائل العربية، كما كانت تضم بين سكانها أقليات يهودية ومسيحية ومندائية، تناقص وجودها بالتدريج حتى كاد يختفي في الوقت الحاضر. ومن أبرز القبائل التي سكنتها آل فتله وبني حسن وكريط وجليحة وخفاجة والمعامرة والجبور والبو سلطان وزبيد، ونتيجة الوفرة التي عاشتها المدينة فقد غلب على أهلها طبيعة الطيبة والأريحية والكرم والضيافة والابتعاد عن التشنج والعصبية القبلية والعنصرية. وقد برز من بين أبنائها الكثير من الرموز العراقية وفي مختلف المجالات، إذ يذكر د. حسين الهنداوي في كتابه عن المدينة عددا منهم مثل الشاعر وأحد قادة الثورة العراقية الكبرى عام 1920 الشيخ محمد حسن ابو المحاسن، الذي استقال من الوزارة عام 1924 احتجاجا على استمرار الانتداب البريطاني على العراق، والفريق الركن محمد رفيق عارف، رئيس أركان الجيش العراقي ورئيس أركان جيش الاتحاد العربي الذي ضم العراق والأردن.
ومن أبناء المدينة الذين حملوا اسمها أحد أهم أعمدة الغناء الريفي العراقي، الشاعر الفنان عبد الأمير طويرجاوي، ورائد المسرح الإذاعي العراقي الفنان ابراهيم الهنداوي، وأمير التمرد في الشعر العراقي الحديث حسين مردان، والموسيقي المجدد الفنان محمد جواد أموري أحد الذين منحوا الأغنية العراقية نكهتها المميزة، والنحات المتألق أحمد البحراني الذي خرج بالنحت العراقي الى آفاق عالمية واثقة. بالإضافة إلى عشرات المفكرين والعلماء والفقهاء والخطباء والفنانين والكتاب والرياضيين وحتى كبار القادة السياسيين والعسكريين من مختلف التيارات الأيديولوجية الذين عرفهم تاريخ العراق الحديث.