1776013639066

كتب : د. مهدي صالح البناي

يتجه الأردن إلى جعل الدوام الرسمي أربعة أيام أسبوعياً، اعتباراً من تشرين القادم ، مع الإبقاء على الخدمات الحكومية الرقمية متاحة على مدار الساعة.

قد يبدو الأمر وكأنه تقليل لساعات العمل، لكنه في الحقيقة يعكس تحولاً عميقاً في فلسفة الإدارة العامة.
فالدولة الحديثة لم تعد تقاس بعدد الموظفين الجالسين خلف المكاتب، بل بقدرتها على إنجاز الخدمات دون أن يضطر المواطن أو المستثمر إلى مراجعة تلك المكاتب أصلاً.
في الاقتصاد التقليدي، الدولة تقدم خدماتها من خلال المباني الحكومية، وعلى المواطن ان ينتقل إلى الدائرة لإنجاز معاملته. أما في الاقتصاد الرقمي، فإن الدولة تنتقل إلى المواطن، وتصبح الخدمة متاحة عبر المنصات الإلكترونية على مدار الساعة !!

اقتصادياً، لا تكمن الفائدة في توفير نفقات تشغيل الدوائر الحكومية فحسب، بل في تخفيض ما يسميه الاقتصاديون تكاليف المعاملات؛ أي الوقت والمال والجهد الذي تنفقه الشركات للحصول على الموافقات والرخص ودفع الرسوم.

كل توقيع يُلغى، وكل مراجعة تُختصر، وكل لجنة تُستغنى عنها، تعني استثماراً يبدأ أسرع، ورأس مال لا يبقى معطلاً، وفرصة أقل للرشوة والابتزاز !

والميزة الأهم أن إيرادات الدولة لن تتوقف مع توقف الدوام!
فالضرائب والرسوم والغرامات وتجديد الإجازات تُدفع إلكترونياً على مدار 24 ساعة، طوال أيام الأسبوع. أي أن الخزينة تستقبل الإيرادات حتى عندما تكون أبواب الدوائر الحكومية مغلقة !

هذه هي الدولة الرقمية: الموظف قد يعمل أربعة أيام، لكن الحكومة تخدم المواطنين، وتستقبل الإيرادات، سبعة أيام في الأسبوع.

أما في العراق، فالتحدي ليس في تقليل أيام الدوام، بل في تقليل الإجراءات. فالمشكلة ليست قلة ساعات العمل، وإنما كثرة التواقيع، وتعدد اللجان، وتضخم البيروقراطية، وسفر الحجاج للعمرة ، وأم القانونية تصلي حالياً ، وست شروق باجازة ولادة ، ومدير الدائرة داز عليه المحافظ … الخ !

فالتحول الرقمي الحقيقي لا يعني نقل المعاملة الورقية إلى شاشة الحاسوب، بل إعادة تصميم الإدارة نفسها، بحيث تصبح الاستثناءات هي التي تحتاج إلى مراجعة شخصية، أما الأصل فهو أن تُنجز المعاملة إلكترونياً، بسرعة، وشفافية، ومن دون وسطاء.

الدول الناجحة لا تسأل: كم يوماً يعمل الموظف؟
بل تسأل: كم مواطناً لم يعد مضطراً إلى مراجعة الدوائر الحكومية أصلاً؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *