د. مهدي صالح البناي
كيف يمكن لقطاع النفط في العراق أن ينتج معظم إيرادات الدولة، لكنه لا ينتج معظم وظائفها؟
فالدولة التي تمتلك أحد أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم لم تنجح في جعل قطاع النفط هو القطاع الجاذب الأكبر للمواهب البشرية، بينما أصبحت التخصصات الطبية الوجهة المفضلة لشريحة واسعة من المتفوقين والشباب!
النفط يمول الجزء الأعظم من الموازنة العامة، والعراق من أكبر الدول النفطية في العالم، وينتج نحو 4 ملايين برميل يومياً مع خطط لرفع الطاقة الإنتاجية إلى أكثر من 6 ملايين برميل يومياً بحلول 2029.
لكن في المقابل، تبلغ البطالة العامة في العراق نحو 15.5%، بينما تصل بطالة الشباب إلى نحو 32%، أي أن ثلث الشباب تقريباً خارج سوق العمل!
آلاف الطلبة يتخرجون سنوياً من الجامعات العراقية، وعشرات الآلاف من الخريجين يضافون كل عام إلى سوق العمل الباحث عن فرصة، ومع ذلك، لا نرى اندفاعاً كبيراً نحو هندسة النفط أو التخصصات المرتبطة بالصناعة النفطية، بل يتجه أغلب المتفوقين نحو الطب!
لماذا؟
لأن النفط في العراق أصبح قطاعاً كثيف الإيرادات لكنه محدود التوظيف. . فكل مليار دولار إضافي من صادرات النفط لا يقابله بالضرورة آلاف الوظائف الجديدة!
كما أن جزءاً مهماً من عمليات التطوير والاستخراج والخدمات النفطية يعتمد على شركات أجنبية وخبرات مستوردة. وفي بعض الحقول الكبرى ما زالت الشركات الأجنبية تشغل الاف العاملين الأجانب !
ومؤخراً طالت العدوى حتى مستشفياتنا ، فأصبحنا نستورد مصريين (لادارتها) بملايين الدولارات !!!! تخيل !!
المفارقة أن دولاً لا تملك قطرة نفط واحدة، مثل كوريا الجنوبية وتايوان خلقت ملايين الوظائف من الصناعة والتكنولوجيا والتصدير ، بينما العراق يمتلك أحد أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، لكن كثيراً من شبابه ما زالوا يبحثون عن وظيفة.
ان المشكلة ليست في النفط نفسه، بل في نموذج اقتصادي جعل النفط مصدراً للإيرادات الحكومية أكثر من كونه محركاً للتشغيل والإنتاج.
اتفق ، أن النفط بطبيعته الاقتصادية ليس قطاعاً كثيف العمالة، سواء في الدول النامية أو المتقدمة ، فحقل نفطي ينتج مئات آلاف البراميل يومياً قد يديره بضعة آلاف من العاملين فقط، بينما مصنع نسيج أو مجمع صناعي قد يشغل عشرات الآلاف!
لكن هناك فرقاً جوهرياً بين أمرين:
1- العمالة المباشرة في الحقول النفطية.
2- الوظائف التي يخلقها القطاع النفطي في الاقتصاد ككل.
المشكلة في كثير من الدول النامية ليست أن النفط لا يحتاج عمالة كثيرة، بل أن المنافع الاقتصادية للنفط تتوقف عند مرحلة الاستخراج والتصدير !!
والسؤال الذي يستحق النقاش:
هل نريد قطاعاً نفطياً يضخ الأموال للخزينة فقط، أم قطاعاً يقود سلسلة كاملة من الصناعات البتروكيمياوية ،والتكرير، والخدمات الهندسية ، والنقل والتصنيع، فيتحول كل برميل نفط إلى فرص عمل حقيقية؟!
فربما تكون أكبر مفارقة في الاقتصاد العراقي أن القطاع الذي يموّل الدولة لا يستطيع أن يوظّف أبناءها !!